قد يعتمد نظام تداول واحد على نموذج إحصائي لاكتشاف فرصة في السوق، ثم يستخدم برنامجًا لإرسال الأمر وتنفيذه. ولهذا يُستعمل مصطلحا «التداول الكمي» و«التداول الخوارزمي» أحيانًا كما لو كانا مترادفين. لكن التمييز بينهما يساعد على فهم وظيفة كل جزء من النظام: يركّز التداول الكمي على الاستناد إلى البيانات لصياغة قرار التداول، بينما يركّز التداول الخوارزمي على تشغيل قواعد محددة بواسطة الحاسوب أثناء عملية التداول.
ليست الحدود بينهما صارمة. فقد تحدد الخوارزمية ما يجب تداوله، وقد يراجع إنسان إشارات النموذج الكمي قبل تنفيذها. ومع ذلك، فإن معرفة موضع التركيز في كل منهما توضّح كيف يعمل النظام وأين يمكن أن تنشأ الأخطاء.
ما التداول الكمي؟
يستخدم التداول الكمي الرياضيات والإحصاء والحوسبة لتطوير قواعد تداول قابلة للاختبار. ويمكن للباحث أن يدرس الأسعار أو أحجام التداول أو البيانات المالية للشركات أو غيرها من المتغيرات، ثم يطرح سؤالًا محددًا: هل توجد علاقة في البيانات يمكن أن تدعم قرارًا استثماريًا يتكرر وفق شروط واضحة؟
لنفترض أن سعرَي أصلين يتحركان عادةً بعلاقة معينة، ثم ابتعدا عنها. قد يختبر الباحث احتمال عودة تلك العلاقة إلى نطاقها المعتاد. ولا يكفي أن يبدو النمط مقنعًا على الرسم البياني؛ فلا بد من تحديد طريقة قياسه، واختباره في فترات مختلفة، وتقدير الخسائر الممكنة، وإدخال تكاليف التداول في الحساب.
كذلك لا تكفي نتيجة جيدة في الاختبار التاريخي لإثبات صلاحية الاستراتيجية. فقد تنتج عن بيانات منحازة، أو عن استخدام معلومات لم تكن متاحة وقت اتخاذ القرار، أو عن ضبط القواعد لتناسب الماضي أكثر مما ينبغي. لذلك يبحث التقييم الجيد عمّا إذا كانت الفكرة تحتفظ بمنطقها خارج البيانات التي استُخدمت في تطويرها.
ولا يشترط التداول الكمي أن تكون جميع مراحله آلية. فقد يُصدر النموذج إشارة يراجعها متداول بشري، أو تُربط الإشارة بنظام يحدد المراكز ويرسل الأوامر تلقائيًا.
ما التداول الخوارزمي؟
في التداول الخوارزمي، ينفذ الحاسوب مهام تداول وفق تعليمات محددة مسبقًا. فقد يراقب البرنامج شرطًا سعريًا، أو يحسب حجم الأمر، أو يرسله إلى السوق، أو يعدّله ويلغيه عندما تتغير الظروف.
من التطبيقات الشائعة خوارزميات تنفيذ الأوامر الكبيرة. فإذا قرر مستثمر شراء كمية كبيرة من الأسهم، قد يؤثر إرسالها دفعة واحدة في السعر الذي يحصل عليه. ويمكن لخوارزمية التنفيذ توزيع الأمر على أجزاء أصغر، وتحديد توقيت إرسالها بحسب الوقت أو حجم التداول في السوق أو شروط أخرى. تتمثل مهمتها هنا في تنفيذ قرار اتُّخذ بالفعل، مع محاولة إدارة تكلفة التنفيذ وأثر الأمر في السوق.
لكن المصطلح قد يُستخدم بمعنى أوسع. فبعض الخوارزميات تولّد إشارات الشراء والبيع وتحدد حجم المركز، إضافة إلى تنفيذ الأوامر. من هنا يأتي التداخل بين التداول الخوارزمي والتداول الكمي في التطبيقات العملية.
أين تظهر الفروق المهمة؟
عند تقييم استراتيجية كمية، تتجه الأسئلة أولًا إلى جودة البيانات، ومنطق الإشارة، وطريقة اختبارها، والمخاطر التي تتحملها. أما عند تقييم خوارزمية التنفيذ، فتبرز أيضًا أسئلة عن توقيت الأوامر، والسيولة المتاحة، والانزلاق السعري، وموثوقية النظام، وكيفية التعامل مع أمر نُفّذ جزء منه فقط.
ويلتقي الجانبان في التداول الفعلي. فقد يكتشف النموذج فرصة تزول قبل إتمام الصفقة، وقد تنفذ الخوارزمية أمرًا بسرعة كبيرة بناءً على إشارة لم تُختبر جيدًا. لذلك لا يتحدد الأداء بجودة قرار التداول وحدها، بل بالسعر والتكلفة والظروف التي يُنفذ فيها القرار أيضًا.
وتختلف بعض مصادر الخطر بينهما. فقد تفشل الاستراتيجية الكمية بسبب تحيز البيانات أو المبالغة في ملاءمة النموذج للماضي أو تغير سلوك السوق. أما التنفيذ الآلي فيحتاج إلى التعامل مع تأخر المعلومات، وضعف السيولة، وحالات الأوامر غير المتوقعة، والأخطاء التشغيلية. ولهذا ينبغي أن تشمل الرقابة المسار كاملًا، من توليد الإشارة إلى اكتمال الصفقة.
كيف يعملان معًا؟
تخيل نموذجًا يحدد أسهمًا تُظهر نمطًا معينًا من الزخم. يضع الباحثون أولًا تعريفًا دقيقًا للإشارة، ويختبرونها في ظروف سوق مختلفة، ويحددون قيودًا على تكرار التداول ومخاطر المحفظة. بعد ذلك، تستطيع خوارزمية تحويل المراكز المستهدفة إلى أوامر، والتحقق من حدود التداول، وتحديث المراكز بحسب الصفقات المنفذة.
إذًا، الفرق بين المصطلحين عملي أكثر منه فصلًا نهائيًا. تساعد الأساليب الكمية على دراسة ما إذا كان ينبغي التداول وفي أي أصل، بينما تساعد الخوارزميات على تطبيق القواعد، وقد تشمل تلك القواعد اتخاذ القرار نفسه. ولتقييم أي نظام تداول تقييمًا واقعيًا، يجب النظر إلى البحث وإدارة المخاطر وتكاليف المعاملات والتنفيذ الفعلي بوصفها أجزاء مترابطة.
