العودة إلى الأخبار

أخبار KAEL

ما هي المراجحة الإحصائية؟ آلية عملها واستراتيجياتها ومخاطرها

تاريخ النشر 3,654,536 مشاهدة

المراجحة الإحصائية، التي تُعرف اختصارًا باسم Stat Arb، هي منهج كمي للتداول يستخدم البيانات والنماذج الإحصائية لاكتشاف اختلالات مؤقتة في الأسعار بين أوراق مالية مترابطة. وتقوم الفكرة الأساسية على شراء الأصول التي تبدو مقوّمة بأقل من قيمتها النسبية، وبيع الأصول التي تبدو مرتفعة السعر نسبيًا، بهدف الاستفادة من عودة العلاقة السعرية بينها إلى نطاقها المعتاد.

وعلى الرغم من استخدام كلمة «المراجحة»، فإن هذه الاستراتيجية لا تمثل مراجحة خالية من المخاطر. فالمراجحة التقليدية تحاول استغلال فرق واضح في سعر الأصل نفسه أو في أسعار أصول متكافئة داخل أسواق مختلفة. أما المراجحة الإحصائية فتعتمد على الاحتمالات. وقد تضعف العلاقة التي ظهرت في البيانات التاريخية أو تتغير أو تختفي، لذلك يمكن أن تتعرض الاستراتيجية للخسارة حتى لو حقق النموذج نتائج قوية في الماضي.

## كيف تعمل المراجحة الإحصائية؟

تبدأ العملية بتحليل كميات كبيرة من بيانات السوق، مثل الأسعار والعوائد وأحجام التداول والتقلبات والتصنيفات القطاعية والعوامل الأخرى التي قد تفسر حركة الأوراق المالية بالنسبة إلى بعضها.

تعتمد استراتيجيات كثيرة على مفهوم العودة إلى المتوسط. ويشير هذا المفهوم إلى احتمال عودة الفارق السعري أو العلاقة النسبية إلى متوسطها التاريخي بعد ابتعادها عنه بصورة غير معتادة. فإذا كانت أسهم شركتين تعملان في قطاع واحد تتحرك عادةً ضمن علاقة مستقرة، ثم ارتفع أحد السهمين بسرعة بينما تأخر الآخر، فقد يفسر النموذج هذا التباعد باعتباره فرصة محتملة.

في هذه الحالة، يمكن للاستراتيجية شراء السهم الأضعف نسبيًا وبيع السهم الأقوى نسبيًا على المكشوف. وإذا تقلص الفارق بينهما، فقد يحقق المركز المركب ربحًا. ولا يتمثل الهدف بالضرورة في توقع اتجاه السوق بالكامل، بل في الاستفادة من الحركة النسبية بين المركزين.

يساعد الجمع بين مركز طويل وآخر قصير على تقليل بعض مخاطر اتجاه السوق، لكنه لا يلغيها. فقد يتحرك المركزان ضد توقعات النموذج، أو يستمر التباعد فترة أطول من المتوقع، أو تتحول العلاقة بين الأصلين بصورة دائمة.

## تداول الأزواج والمحافظ متعددة الأصول

يُعد تداول الأزواج من أبسط أشكال المراجحة الإحصائية. ويجري اختيار ورقتين ماليتين بسبب تشابه نشاطهما، أو تأثرهما بعوامل اقتصادية مشتركة، أو وجود علاقة إحصائية قابلة للقياس بين أسعارهما.

يمكن استخدام الارتباط في عملية الاختيار، لكن الارتباط المرتفع وحده لا يثبت وجود علاقة طويلة الأجل. فقد يتحرك أصلان في الاتجاه نفسه خلال فترة معينة ثم ينفصل مسارهما لاحقًا. لذلك تستخدم النماذج الأكثر صرامة أدوات مثل التكامل المشترك، وتحليل السلاسل الزمنية، ومقاييس المسافة وأساليب إحصائية أخرى.

ولا تقتصر الاستراتيجيات المؤسسية عادةً على زوج واحد. فقد تضم المحفظة عشرات أو مئات المراكز الطويلة والقصيرة. ويصنف النظام الأوراق المالية وفقًا لجاذبيتها النسبية، ثم يشتري الأوراق ذات الدرجات الأعلى ويبيع الأوراق ذات الدرجات الأدنى.

بعد ذلك تُضبط أحجام المراكز للحد من التعرض غير المقصود للسوق والقطاعات والمناطق الجغرافية وحجم الشركات والتقلبات وعوامل الاستثمار المختلفة. وتهدف هذه العملية إلى إنشاء محفظة متنوعة لا تعتمد نتائجها بصورة مفرطة على ورقة مالية واحدة.

## المراحل الأساسية لبناء الاستراتيجية

تتمثل المرحلة الأولى في تحديد نطاق الأصول القابلة للتداول. فقد تركز الاستراتيجية على الأسهم أو الصناديق المتداولة أو العقود الآجلة أو العملات. وعادةً ما تُستبعد الأدوات التي تعاني ضعف السيولة أو سوء جودة البيانات أو صعوبة تنفيذ البيع على المكشوف.

تأتي بعد ذلك مرحلة إعداد البيانات وتطوير النموذج. فقد تحتوي بيانات السوق على أسعار غير طبيعية، أو مشاهدات مفقودة، أو تعديلات مرتبطة بتوزيعات الأرباح وتجزيء الأسهم، أو اختلافات زمنية بين مصادر البيانات. ويجب معالجة هذه المشكلات قبل اختبار أي إشارة.

ينتج النموذج بعد ذلك درجات أو إشارات تداول تقدّر الأصول الجذابة نسبيًا وتلك التي تبدو مرتفعة السعر. لكن ظهور الإشارة لا يعني تنفيذ الصفقة تلقائيًا، إذ يجب أن تكون الميزة المتوقعة كافية لتغطية تكاليف التداول والمخاطر المحتملة.

وتحدد مرحلة بناء المحفظة حجم كل مركز، مع وضع قيود على الرافعة المالية والتركيز القطاعي والتعرض لكل ورقة مالية. كما يمكن للنظام تقليل حساسية المحفظة لتحركات السوق العامة أو لعوامل مثل الحجم والقيمة والزخم.

أما المرحلة الأخيرة فتشمل تنفيذ الأوامر ومراقبة المراكز. ويمكن إغلاق الصفقة عندما يتقلص الفارق، أو تنعكس الإشارة، أو تنتهي المدة المحددة، أو يتم تجاوز أحد حدود المخاطر. ويجب تحديث النماذج ومراقبتها باستمرار لأن ظروف السوق لا تبقى ثابتة.

## لماذا تعتمد على الأتمتة؟

تستهدف المراجحة الإحصائية غالبًا فروقًا سعرية صغيرة موزعة على عدد كبير من الأوراق المالية. وقد تظهر الفرص وتختفي بسرعة، مما يجعل التحليل والتنفيذ اليدويين غير عمليين في كثير من الحالات.

تتيح الأنظمة الآلية معالجة البيانات، وحساب الإشارات، وبناء المحافظ وتنفيذ الأوامر بكفاءة واتساق. ومع ذلك، تستطيع الأتمتة أيضًا تضخيم الأخطاء. فقد يؤدي خلل في البيانات أو افتراض غير صحيح أو مشكلة في التنفيذ إلى فتح عدد كبير من المراكز غير الملائمة خلال فترة قصيرة.

لهذا تحتاج المنظومة إلى فحوص للتحقق من البيانات، وحدود واضحة للمراكز، ومراقبة لحظية وآليات للإيقاف الطارئ. كما تظل الرقابة البشرية ضرورية، خصوصًا عندما يتصرف السوق بطريقة لم يتضمنها النموذج.

## أبرز المخاطر

تُعد مخاطر النموذج من أهم التحديات. فقد تكون العلاقة المكتشفة في البيانات التاريخية مجرد مصادفة، أو نتيجة للإفراط في ملاءمة النموذج لعينة معينة. وقد يبدو النموذج ممتازًا في الاختبار التاريخي، لكنه يفشل عند التعامل مع بيانات جديدة.

كذلك يمكن أن تنهار العلاقات بسبب الاندماجات أو حالات التعثر أو القرارات التنظيمية أو التحولات في أعمال الشركات. وفي مثل هذه الحالات، قد يعكس التباعد السعري تغيرًا حقيقيًا، وليس اختلالًا مؤقتًا قابلًا للزوال.

وتشكل تكاليف التداول خطرًا آخر. فارتفاع معدل دوران المحفظة يجعل العمولات وفروق أسعار البيع والشراء والانزلاق السعري وتكلفة اقتراض الأوراق المالية عوامل مؤثرة في النتيجة النهائية.

وقد تحوّل الرافعة المالية ومخاطر التمويل خسارة مؤقتة إلى تصفية قسرية. فمن الممكن أن يكون توقع النموذج صحيحًا على المدى الأطول، لكن الاستراتيجية لا تستطيع الاحتفاظ بمراكزها بسبب طلبات تغطية الهامش أو نقص السيولة.

كما تظهر مخاطر ازدحام التداول عندما تستخدم مؤسسات متعددة إشارات ونماذج متشابهة. وإذا اضطر أحد المشاركين إلى تصفية مراكزه بسرعة، فقد تنتقل الضغوط إلى محافظ أخرى وتؤدي إلى سلسلة من الخسائر المتزامنة.

## كيف تُقيَّم الاستراتيجية؟

لا يكفي النظر إلى العائد التاريخي وحده. بل ينبغي فحص الحد الأقصى للتراجع، والتقلب، والعائد المعدّل بالمخاطر، ومعدل دوران المحفظة، وتكاليف التنفيذ، والطاقة الاستيعابية للاستراتيجية، وأدائها في ظروف سوق مختلفة.

وينبغي أن تتجنب الاختبارات التحيز الناتج عن استخدام معلومات مستقبلية، وتحيز البقاء والإفراط في الملاءمة. كما تساعد الاختبارات خارج العينة والتحقق المتدرج واختبارات الضغط على تقديم صورة أكثر واقعية. ومن المهم أيضًا محاكاة تراجع السيولة، وتأخر التنفيذ، وارتفاع تكاليف الاقتراض والتغير المفاجئ في العلاقات الإحصائية.

تكمن قوة المراجحة الإحصائية في تطبيق مزايا احتمالية صغيرة بصورة منهجية عبر محفظة متنوعة. لكن هذه العلاقات الإحصائية لا تقدم ضمانًا للربح. ولذلك يعتمد نجاحها طويل الأجل على جودة البيانات، وصلابة البحث، ودقة تقدير التكاليف، والانضباط في إدارة المخاطر، والقدرة المستمرة على التكيف مع تغير الأسواق.